أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
15
شرح مقامات الحريري
نحسن ، ونعوذ بك من السلاطة والهذر « 1 » ، كما نعوذ بك من العيّ والحصر ؛ وقديما تعوذوا باللّه من شرهما ، ورغبوا إليه في السلامة منهما ؛ وقد قال النّمر بن تولب : [ الوافر ] أعذني ربّ من حصر وعيّ * ومن نفس أعالجها علاجا وقال محمد بن علقمة : [ الوافر ] لقد وارى المقابر من شريك * كثير تحلّم وقليل عاب صموتا في المحافل غير عي * جديرا حين ينطق بالصواب ثم استرسل في ذكر العيّ والبيان إلى غاية بعيدة ، واستشهد على النوعين بآيتين ؛ بقوله تعالى ؛ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 19 ] ، وفي الضد بقوله تعالى : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [ الزخرف : 18 ] ، فاحتذى الحريري هذا الحذو ، فجاءت تشبيهاته أطبع وأصنع ، وزاد عليه بأن ابتدأ بحمد اللّه على نعمة البيان ، ثم استعاذ مما استعاذ منه الجاحظ ، وبيان المقابلة في كلامه أنه قابل شرّة بمعرّة واللسن باللكن ، والهذر بالحصر ؛ فإذا تفهمت مواقعها في كلامه قست عليها ما يشبهها في النظم والنثر وسئل قدامة الكاتب عن المقابلة ، فقال : هي أن يضع الشاعر ألفاظا يعتمد التوافق بين بعضها وبعض في المخالفة ، فيأتي في الموافق بما يوافق ، وفي المخالف بما يخالف ، وأنشد في ذلك : [ الطويل ] فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح * وفيّ مطويّ على الغشّ غادر فجعل بإزاء « ناصح » ، « وفيّ » ، « غاشّا : غادرا » . ومثله : [ الطويل ] فتى ثمّ فيه ما يسرّ صديقه * على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا نستكفي : معناه نسألك ونطلب منك أن تكفينا الافتتان ؛ وذلك أن تصاب بفتنة الإعجاب ، وأصل الفتنة اختبار الفضة بالنار ، قال تعالى في الاختبار : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] أي اختبرناك ، والفتين : الفضة المحرقة ، والفتين أيضا : الحجارة المحرقة ، وهي الحجارة تدلك بها الأقدام في الحمام ، والإطراء : الاسترسال في مدح الإنسان بمحضره ، وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فأنا عبد اللّه ورسوله » . إغضاء : تجاوز ومسامحة ، وأصله أن يبدو لك الشيء فتدني جفنيك وتقصر نظرك كأنك لم تره ، والاغضاء : الإغماض وأغضيت عنه وأغمضت ، إذا تغافلت عنه . المسامح : الموافق لغرضك ، والمتجاوز عن عيبك ، الانتصاب : الظهور والاعتراض أمام
--> ( 1 ) الهذر : كثرة الكلام في خطأ ، والسلاطة حدة اللسان والصخب ( القاموس المحيط : « سلط » ، و